ابن عجيبة

584

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشئ متهاون به خائف من انتزاعه ، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق . قال الفراء : لما اشتراه منهم مالك ، قال لهم : اكتبوا لي كتابا بخطكم بأنكم بعتم منى هذا الغلام بكذا وكذا ، فكتبوا له ذلك ، فلما أراد الرحيل قالوا له : اربطه لئلا يهرب ، فلما همّ بربطه قال له يوسف : خلنى أودّع ساداتي ؛ فلعلّى لا ألقاهم بعد هذا اليوم . فقال له مالك : ما أكرمك من مملوك ، حيث يفعل بك هذا وأنت تتقرب منهم . فقال له يوسف : كل أحد يفعل ما يليق به ، فقال له : دونك ، فقصدهم وهم قيام صفا واحدا ، فلما دنا منهم بكوا وبكى يوسف عليه السّلام ، ثم قالوا : واللّه لقد ندمنا يا يوسف على ما فعلنا ، ولولا الخشية من والدنا لرددناك . ه . ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه ، فاشتراه العزيز الذي كان على خزائن مصر . واسمه : « قطفير » ، وكان الملك يومئذ « ريان بن الوليد العلقمي » ، وقد آمن بيوسف ، ومات في حياته . وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ راعيل ، أو زليخا ، أَكْرِمِي مَثْواهُ ؛ اجعلي مقامه عندنا كريما ، والمعنى : أحسني تعهده ، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ضياعنا وأموالنا ، نستظهر به في مصالحنا ، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي : نتبنّاه ، وكان عقيما ، لما تفرس فيه من الرشد . ولذلك قيل : ( أفرس الناس عزيز مصر ، وابنة شعيب التي قالت : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ « 1 » ، وأبو بكر حين استخلف عمر ) « 2 » . قال البيضاوي : روى أنه اشتراه العزيز وهو ابن تسع عشرة سنة ، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة ، واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة . واختلف فيما اشتراه به من جعل شراء غير الأول ، فقيل : عشرون دينارا ، وزوجا نعل ، وثوبان أبيضان . وقيل : ملؤه - أي وزنه - فضة ، وقيل : ذهبا . ه . وقيل : مسكا وحريرا . وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي : وكما مكنا محبته في قلب العزيز ، أو كما مكناه في منزله ، أو كما أنجيته ، وعطفنا عليه العزيز ، مكناه في الأرض ، ليتصرف فيها بالعدل ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ؛ أي : من تأويل كتب اللّه المتقدمة ، أو من تأويل الأحكام الحادثة بين الناس ليحكم فيها بالعدل ، أو من تعبير المنامات ، ليستعد لها قبل حلولها . أي : كان القصد في إنجائه وتمكينه : إقامته العدل ، وتيسير أمور الناس ، وليعلم معاني كتب اللّه وأحكامه فينفذها ، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ : لا يرده شئ ، ولا ينازعه فيما يريد جبار ولا عنيد ، أو : غالب

--> ( 1 ) من الآية 26 من سورة القصص . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 / 346 ) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، عن ابن مسعود وكذلك أخرجه الطبراني في الكبير ( 8 / 185 ح 8829 ) .